أحمد فارس الشدياق
74
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
العساكر شيّعت جنازته ، وآلات الموسيقى معزوف بها وراءها ، والجند مصاحبة لها ، فإذا فرغوا من دفنها أطلقوا البنادق دفعة واحدة إشارة إلى أنّه مات بعزّ دولته وسلطانه . خلقهم وأخلاقهم وشيء من عاداتهم أمّا خلق المالطيين فالغالب عليهم السمرة والربعية في القوام وسواد الشعر والعيون وغلظ الحواجب وشدّة البنية ، وهم في الغالب أجمل من النساء ، وكثير من النساء هنا لهنّ شوارب أو عوارض أو عنافق « 74 » ومنهنّ من تحلقها ، ومن الإفرنج من يستحبّ ذلك فيهن . وقد أسلفت لك زهوهن وعجبهن بما يتحلّين به من اللباس والحلي . أمّا أخلاقهم فالغالب على أعيانهم لين الجانب والبشاشة ، فإذا سألت أحدا منهم على شيء أجابك وهو باشّ بك مستأنس إليك . ومن طبعهم جميعا الكدح ، والتدبير ، والاقتصاد فلا يتحمّلون ضنك العيش محافظة على عادات قديمة ضارّة . ولا يتجشّم أحدهم استخدام نفر اظهر « 75 » لشأنه ورفعته ، ولا النفقات الزائدة في الأعياد والزواج ، ولا تتقلّد نساء الأغنياء منهم قلائد من الماس وغيره ، وإن الماجد منهم يزور صاحبه بدون احتفال ، والغني يذهب إلى السوق صباحا ويشتري مؤنة يومه ، وإن الماجدة تزور صاحبتها ولا تلهى إحداهما عن الشغل ، وذلك بأن تأخذ معها شيئا تشتغل به ، وهي التي تقوم بتدبير البيت ، فلا تكل أموره إلى الخادمة ، وأكبرهم من عنده خادم وخادمة . وقد شاهدت رئيس أطبّاء المستشفى غير مرّة ينصب الحبال على سطحه ، وينشر عليها الثياب المغسولة قطعة قطعة ، ومتى نشفت الثياب حلّوا الحبال ووضعوها في محل مصون ، ورأيت أيضا بعض القناصل ينصب رايته بيده ، والفقراء منهم لا يوقدون سراجا في الليالي المقمرة ، وأكثر الرجال يسلمون مصروفهم بيد نسائهم حتى إنّهم يحتاجون بعدها إلى أن يطلبوا منهنّ ثمن التبغ
--> ( 74 ) عنافق : جمع عنفقة وهي : شعيرات بين الشفة السفلى والذقن . ( م ) . ( 75 ) في الطبعة الأولى : إظهارا ، وهي أقرب للصواب . ( م ) .